بهاء الدين الجندي اليمني
401
السلوك في طبقات العلماء والملوك
ولم أتحقق له تاريخا إذ الغالب في الموجود من ذريته الإهمال وعدم الاشتغال كما هو ذلك في كثير من ذراري الفقهاء . ومنهم أبو العتيق أبو بكر بن عبد اللّه بن محمد بن عمران ، الملقب بالصفوي لقب من ألقاب المكتب ، وهو آخر محققي هذا البيت ، تفقّه بابن عمه محمد بن مضمون ، وكان صالحا ورعا زاهدا متقللا ، درس ببلده ثم درس ببلد صهبان في مدرسة أحدثها مشايخ بني حميد فلم يزل يدرس بها حتى دنت وفاته ، فعاد إلى بلده وتوفي بها بتاريخ سنة ستين وستمائة وقبر بين أهله . ومن أعيانهم أحمد بن يحيى بن الفقيه محمد بن مضمون ، كانت له مشاركة بالعلم لكن اشتغاله بأمور الدنيا والترؤس وخلطة الأمراء كعلي بن يحيى وغيره أكثر من ذلك ، وكان أخذه لما بعد من المعلوم عن الصفوي « 1 » المذكور آنفا ، وكان مشهورا بالكرم وكثرة إطعام الطعام حتى أفنى جملة مستكثرة من ماله في ذلك ، ولما بلغ حاله إلى الأمير علي بن يحيى أدركته عليه شفقة وكان يصحبه وهو يومئذ مقطع لبلدهم وكان متى قدمها سكن حصن شواحط الحصن المذكور أولا ، فقدم ذات مرة فلما صار بالحصن وصله أعيان البلاد يسلمون عليه وهذا من جملتهم ، وقد صار عنده منه صورة ، وأنه قد صار مشرفا على إفناء ماله صار يتأسّى له بها ويقول هذا مسكين يفرغ ماله ويرجع هو ومن معه يحتاجون إلى الناس فلما أراد الناس الخروج من عنده أمره بالتأخر فلما خلا بينهما المكان قال : يا فقيه ، بلغني أنك كثير التفريط بما في يدك بغير وجه لائق ، وأظنك تريد الاقتداء بنا ولا ينبغي لك ذلك ، نحن يحصل لنا كثير من غير تكلف ولا ترتضي أن نفسي عالية فيسهل علينا خروجه كما يسهل دخوله وأنت فقيه دخلك قليل حلال كسائر الفقهاء ، وما خرج عليك لا يكاد يحصل لك عوضه إلا بمشقة ، ثم وبّخه على فعله ومكارمه والفقيه ساكت فقال له الأمير : أحب أن تعاهدني أنك لا عدت على شيء من ذلك ، فقال الفقيه أروح البيت وأستخير اللّه الليلة ، ثم آتيك غدا بما قويت عليه عزيمتي ، فلما راح الفقيه وبات بمنزله في الملحمة صلّى في الليل صلاة الاستخارة ثم نام ، وإذا به يرى قائلا يقول له : يا فقيه أحمد أنفق ، فأنت ممن وقي شحّ نفسه فقويت نفسه على البقاء على حاله ، ثم لما أصبح غدا إلى الأمير فقال له ما فعلت بالأمر الذي رحت مني أمس مستخيرا به قال : عزمت على
--> ( 1 ) كذا في الأصلين وفي « العقود اللؤلؤية » الصوفي .